العقيدة الطحاوية
أبو جعفر الطحاوي

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، [وصلى الله على سيدنا محمد](١)، قال الشيخ الإمام علم الإسلام، حجة الأنام(٢)، أبو جعفر الطحاوي الحنفي المصري:

[الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين](٣).

قَالَ الإمَامُ الطَّحَاوِيُّ(٤): هذا ذِكْرُ(٥) بَيَانِ عَقِيدَةِ(٦) أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، عَلَى مَذْهَبِ فُقَهَاءِ(٧) الْمِلَّةِ: أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ(٨) الْكُوفِيِّ(٩)، وَأَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ [رَحْمَةُ(١٠) اللهِ(١١) عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ](١٢)، وَمَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَيَدِينُونَ بِهِ رَبَّ(١٣) الْعَالَمِينَ.

الإيمان بالله تعالى

نَقُولُ(١) فِي تَوْحِيدِ اللهِ(٢) مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللهِ(٣):(٤)

إِنَّ اللهَ [تَعَالَى](٥) وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ مِثْلُهُ، وَلَا شَيْءَ يُعْجِزُهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ؛ قَدِيمٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ، دَائِمٌ بِلَا انْتِهَاءٍ؛ لَا يَفْنَى وَلَا يَبِيدُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ؛ لَا تَبْلُغُهُ الأَوْهَامُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الأَفْهَامُ، وَلَا يُشْبِهُ(٦) الأَنَامَ،(٧) حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لَا يَنَامُ(٨)، خَالِقٌ بِلَا حَاجَةٍ(٩)، رَازِقٌ بِلَا مُؤْنَةٍ(١٠)، مُمِيتٌ بِلَا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلَا مَشَقَّةٍ، مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ(١١).

لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَاتِهِ(١٢)، وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا كَذَلِكَ لَا يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِيًّا؛ لَيْسَ مُنْذُ(١٣) خَلَقَ الْخَلْقَ اسْتَفَادَ اسْمَ «الْخَالِقِ»، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ «الْبَارِي»؛ لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ، وَمَعْنَى الْخَالِقِ وَلَا مَخْلُوقَ؛ [وَكَمَا أَنَّهُ مُحْيِي الْمَوْتَى بَعْدَمَا أَحْيَا(١٤) اسْتَحَقَّ هذَا الاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ، كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْخَالِقِ قَبْلَ إِنْشَائِهِمْ](١٥)؛ ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ(١٦)، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(١٧).

خَلَقَ الْخَلْقَ بِعِلْمِهِ، وَقَدَّرَ لَهُمْ أَقْدَارًا، وَضَرَبَ لَهُمْ آجَالًا؛ وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ(١٨) قَبْلَ خَلْقِهِمْ(١٩)، وَعَلِمَ مَا هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِتَقْدِيرِهِ(٢٠) وَمَشِيئَتِهِ، وَمَشِيئَتُهُ تَنْفُذُ، لَا مَشِيئَةَ لِلْعِبَادِ إِلَّا مَا شَاءَ لَهُمْ، فَمَا شَاءَ لَهُمْ(٢١) كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيَعْصِمُ وَيُعَافِي مَنْ يَشَاءُ(٢٢) فَضْلًا، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَخْذُلُ(٢٣) وَيَبْتَلِي(٢٤) عَدْلًا، وَكُلُّهُمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي مَشِيئَتِهِ بَيْنَ فَضْلِهِ(٢٥) وَعَدْلِهِ(٢٦)؛ [وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنِ الأَضْدَادِ وَالأَنْدَادِ](٢٧)، لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا غَالِبَ لِأَمْرِهِ، آمَنَّا بِذَلِكَ كُلِّهِ(٢٨)، وَأَيْقَنَّا أَنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِهِ.

الإيمان بنبوة النبي محمد ﷺ

وَإِنَّ(١) مُحَمَّدًا [ﷺ](٢) عَبْدُهُ الْمُصْطَفَى، وَنَبِيُّهُ(٣) الْمُجْتَبَى، وَرَسُولُهُ الْمُرْتَضَى، وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ(٤)، وَإِمَامُ الأَتْقِيَاءِ(٥)، وَسَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ، وَحَبِيبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكُلُّ دَعْوَى(٦) نُبُوَّةٍ(٧) بَعْدَ نُبُوَّتِهِ(٨) فَغَيٌّ وَهَوًى، وَهُوَ الْمَبْعُوثُ إِلَى عَامَّةِ الْجِنِّ، وَكَافَّةِ الْوَرَى(٩) بِالْحَقِّ وَالْهُدَى، وَبِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ(١٠).

الإيمان بالقرآن الكريم

وَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللهِ(١)، مِنْهُ بَدَأَ(٢) بِلَا كَيْفِيَّةٍ قَوْلًا، وَأَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ(٣) وَحْيًا، وَصَدَّقَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى ذَلِكَ حَقًّا، وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى(٤) بِالْحَقِيقَةِ، لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كَكَلَامِ الْبَرِيَّةِ، فَمَنْ سَمِعَهُ فَزَعَمَ(٥) أَنَّهُ كَلَامُ الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، وَقَدْ ذَمَّهُ اللهُ تَعَالَى(٦) وَعَابَهُ، وَأَوْعَدَهُ بِسَقَرَ(٧)، [حَيْثُ قَالَ(٨): ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾(٩)]، فَلَمَّا أَوْعَدَ(١٠) اللهُ بِسَقَرَ(١١) لِمَنْ قَالَ(١٢): ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾(١٣)، عَلِمْنَا(١٤) أَنَّهُ قَوْلُ خَالِقِ الْبَشَرِ، وَلَا يُشْبِهُ(١٥) قَوْلَ الْبَشَرِ.(١٦)

كفر من قال بالتشبيه

[وَمَنْ وَصَفَ اللهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ](١)، فَمَنْ(٢) أَبْصَرَ هذَا اعْتَبَرَ، وَعَنْ مِثْلِ قَوْلِ الْكُفَّارِ انْزَجَرَ، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ [تَعَالَى](٣) بِصِفَاتِهِ لَيْسَ كَالْبَشَرِ.

رؤية الله حق

وَالرُّؤْيَةُ حَقٌّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ إِحَاطَةٍ وَلَا كَيْفِيَّةٍ، كَمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ رَبِّنَا(١): ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾(٢)، وَتَفْسِيرُهُ عَلَى مَا أَرَادَ(٣) اللهُ تَعَالَى وَعَلِمَهُ.

وَكُلُّ مَا(٤) جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللهِ(٥)(٦) فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَعْنَاهُ [وَتَفْسِيرُهُ](٧) عَلَى مَا أَرَادَ، وَلَا(٨) نَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ بِآرَائِنَا، وَلَا مُتَوَهِّمِينَ بِأَهْوَائِنَا(٩)، فَإِنَّهُ مَا سَلِمَ فِي دِينِهِ إِلَّا مَنْ سَلَّمَ لِلهِ ﷻ وَلِرَسُولِهِ [ﷺ](١٠)، وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ.

وَلَا تَثْبُتُ(١١) قَدَمُ الإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ [وَالاسْتِسْلَامِ](١٢)، فَمَنْ(١٣) رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ(١٤) عِلْمُهُ وَلَمْ يَقْنَعْ بِالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ؛ حَجَبَهُ مَرَامُهُ(١٥) عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ، وَصَافِي الْمَعْرِفَةِ، وَصَحِيحِ الإِيمَانِ، [فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَالإِقْرَارِ وَالإِنْكَارِ، مُوَسْوَسًا تَائِهًا، شَاكًّا زَائِغًا(١٦)، لَا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا، وَلَا جَاحِدًا مُكَذِّبًا](١٧).

وَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالرُّؤْيَةِ لِأَهْلِ دَارِ السَّلَامِ لِمَنِ اعْتَبَرَهَا مِنْهُمْ بِوَهْمٍ، أَوْ تَأَوَّلَهَا بِفَهْمٍ؛ إِذْ(١٨) كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ -وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ(١٩)- بِتَرْكِ(٢٠) التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ، وَعَلَيْهِ دِينُ الْمُرْسَلِينَ(٢١)، وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشْبِيهَ(٢٢) زَلَّ وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ؛ [فَإِنَّ رَبَّنَا جَلَّ وَعَلَا مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ(٢٣) بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ](٢٤)، لَيْسَ(٢٥) فِي مَعْنَاهُ(٢٦) أَحَدٌ مِنَ الْبَرِيَّةِ، تَعَالَى(٢٧) عَنِ الْحُدُودِ وَالْغَايَاتِ، وَالْأَرْكَانِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَدَوَاتِ، لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ(٢٨).

الإيمان بالإسراء والمعراج

وَالْمِعْرَاجُ حَقٌّ، وَقَدْ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ(١)، وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ [فِي الْيَقَظَةِ](٢) إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ إِلَى حَيْثُ مَا شَاءَ اللهُ [تَعَالَى](٣) مِنَ الْعُلَا(٤)، وَأَكْرَمَهُ اللهُ [تَعَالَى](٥) بِمَا شَاءَ، وَأَوْحَى(٦) إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى(٧).

الإيمان بالحوض والشفاعة والميثاق

وَالْحَوْضُ -الَّذِي أَكْرَمَهُ اللهُ(١) [تَعَالَى](٢) بِهِ غِيَاثًا لِأُمَّتِهِ- حَقٌّ، وَالشَّفَاعَةُ -الَّتِي ادَّخَرَهَا(٣) لَهُمْ- حَقٌّ(٤)، كَمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ، وَالْمِيثَاقُ -الَّذِي أَخَذَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ [﵇](٥) وَذُرِّيَّتِهِ- حَقٌّ.

الإيمان بعلم الله

وَقَدْ عَلِمَ اللهُ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَزَلْ(١) [عَدَدَ](٢) مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، [وَعَدَدَ](٣) مَنْ(٤) يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً(٥)، فَلَا(٦) يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدِ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ فِيمَا عَلِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ(٧) يَفْعَلُونَهُ(٨)، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ.

الأعمال بالخواتيم

وَالْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللهِ(١)، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بِقَضَاءِ اللهِ تَعَالَى(٢).

الإيمان بالقضاء والقدر

وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ، فَاحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ(١) نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ(٢)، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي(٣) كِتَابِهِ(٤): ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾(٥)، فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ(٦)، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ(٧) كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ.

فَهَذَا(٨) جُمْلَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ مُنَوَّرٌ قَلْبُهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَهِيَ دَرَجَةُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ عِلْمَانِ: عِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَوْجُودٌ، وَعِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَفْقُودٌ، فَإِنْكَارُ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ كُفْرٌ، وَادِّعَاءُ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ كُفْرٌ، وَلَا يَصِحُّ(٩) الْإِيمَانُ إِلَّا بِقَبُولِ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ، وَتَرْكِ طَلَبِ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ.

وَنُؤْمِنُ بِاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ، وَبِجَمِيعِ(١٠) مَا فِيهِ قَدْ رُقِمَ، فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَتَبَهُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ(١١) أَنَّهُ كَائِنٌ؛ لِيَجْعَلُوهُ غَيْرَ كَائِنٍ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا(١٢) كُلُّهُمْ عَلَى مَا(١٣) لَمْ يَكْتُبْهُ(١٤) اللهُ [تَعَالَى](١٥) فِيهِ [أَنَّهُ غَيْرُ كَائِنٍ](١٦)؛ لِيَجْعَلُوهُ كَائِنًا، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

[وَمَا أَخْطَأَ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ](١٧)، وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى(١٨) قَدْ سَبَقَ عِلْمُهُ فِي كُلِّ(١٩) كَائِنٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَقَدَّرَ(٢٠) ذَلِكَ(٢١) تَقْدِيرًا مُحْكَمًا مُبْرَمًا، لَيْسَ لَهُ(٢٢) نَاقِضٌ وَلَا مُعَقِّبٌ، وَلَا مُزِيلٌ وَلَا مُغَيِّرٌ، وَلَا مُحَوِّلٌ(٢٣)، وَلَا نَاقِصٌ وَلَا زَائِدٌ(٢٤) مِنْ(٢٥) خَلْقِهِ فِي سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ(٢٦)، وَذَلِكَ(٢٧) مِنْ عَقْدِ الْإِيمَانِ، وَأُصُولِ الْمَعْرِفَةِ، وَالِاعْتِرَافِ بِتَوْحِيدِ اللهِ(٢٨) وَرُبُوبِيَّتِهِ، كَمَا قَالَ اللهُ(٢٩) [ﷻ](٣٠): ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾(٣١)، وَقَالَ(٣٢) تَعَالَى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾(٣٣).

فَوَيْلٌ لِمَنْ صَارَ لِلهِ(٣٤) فِي الْقَدَرِ خَصِيمًا، وَأَحْضَرَ لِلنَّظَرِ فِيهِ قَلْبًا سَقِيمًا(٣٥)، لَقَدِ الْتَمَسَ بِوَهْمِهِ فِي فَحْصِ(٣٦) الْغَيْبِ سِرًّا كَتِيمًا، وَعَادَ بِمَا قَالَ فِيهِ أَفَّاكًا أَثِيمًا.

الإيمان بالعرش والكرسي

وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ(١)(٢)، وَهُوَ(٣) مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَهُ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ(٤)، وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ.

الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب السماوية

وَنَقُولُ: إِنَّ(١) اللهَ(٢) اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَكَلَّمَ اللهُ(٣) مُوسَى تَكْلِيمًا، إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا(٤).

وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ [عَلَى الْمُرْسَلِينَ](٥)، وَنَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَنُسَمِّي أَهْلَ قِبْلَتِنَا [مُسْلِمِينَ](٦) مُؤْمِنِينَ، مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ(٧).

حرمة الخوض في ذات الله ﷻ والجدال في دينه وقرآنه

وَلَا نَخُوضُ فِي اللهِ ﷻ(١)، وَلَا نُمَارِي فِي دِينِ اللهِ(٢)، وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ(٣)، وَنَعْلَمُ(٤) أَنَّهُ(٥) كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَعَلَّمَهُ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدًا(٦) [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى(٧) آلِهِ وَأَصْحَابِهِ(٨) أَجْمَعِينَ](٩).

وَكَلَامُ اللهِ [تَعَالَى](١٠) لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ(١١)، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.(١٢)

الرد على الجهمية

وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ(١)، وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ(٢) ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.

نَرْجُو(٣) لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ](٤)، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، [وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ](٥)، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ، وَالْأَمْنُ وَالْإِيَاسُ يَنْقُلَانِ عَنِ الْمِلَّةِ(٦)، وَسَبِيلُ الْحَقِّ بَيْنَهُمَا [لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ](٧).

وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ.

تعريف الإيمان

وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ(١) بِالْجَنَانِ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى(٢) [فِي الْقُرْآنِ](٣) وَجَمِيعَ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ(٤) ﷺ مِنَ الشَّرْعِ وَالْبَيَانِ كُلُّهُ حَقٌّ.

وَالْإِيمَانُ وَاحِدٌ، وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ، وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالْخَشْيَةِ(٥) وَالتَّقَى(٦) وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى(٧).

وَالْمُؤْمِنُونَ(٨) كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ، وَأَكْرَمُهُمْ(٩) أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ.

وَالْإِيمَانُ(١٠) هُوَ الْإِيمَانُ بِاللهِ(١١)، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ(١٢)، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ(١٣)، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ(١٤) وَمُرِّهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ(١٥) بِذَلِكَ كُلِّهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَنُصَدِّقُهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى(١٦) مَا جَاؤُوا بِهِ.(١٧)

أهل الكبائر من المؤمنين لا يخلدون في النار

وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ [مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ](١) فِي النَّارِ لَا يُخَلَّدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ(٢)، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا(٣) تَائِبِينَ، بَعْدَ أَنْ [لَقُوا اللهَ(٤)](٥) عَارِفِينَ [مُؤْمِنِينَ](٦)، وَهُمْ(٧) فِي مَشِيئَتِهِ وَحُكْمِهِ: إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ بِفَضْلِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى(٨) فِي كِتَابِهِ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾(٩)، [وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ فِي النَّارِ بِقَدْرِ جِنَايَاتِهِمْ(١٠) بِعَدْلِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى(١١) مَوْلَى(١٢) أَهْلِ مَعْرِفَتِهِ(١٣)، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ الَّذِينَ خَابُوا مِنْ(١٤) هِدَايَتِهِ، وَلَمْ يَنَالُوا مِنْ(١٥) وَلَايَتِهِ](١٦)، اللَّهُمَّ يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ثَبِّتْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ(١٧) حَتَّى نَلْقَاكَ بِهِ.(١٨)

وَنَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ،(١٩) وَعَلَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ.

وَلَا نُنَزِّلُ أَحَدًا مِنْهُمْ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ(٢٠) وَلَا بِنِفَاقٍ(٢١)، مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ(٢٢)، وَنَذَرُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ(٢٣).

وَلَا نَرَى السَّيْفَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ [إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ](٢٤).

وجوب طاعة الأئمة والولاة

وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ(١)، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى(٢) طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ [تَعَالَى](٣) فَرِيضَةً(٤)، [مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ](٥)، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ(٦) وَالْمُعَافَاةِ.

اتباع أهل السنة والجماعة

وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ(١)، وَنُحِبُّ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالْأَمَانَةِ(٢)، وَنُبْغِضُ أَهْلَ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ، وَنَقُولُ: اللهُ أَعْلَمُ فِيمَا(٣) اشْتَبَهَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ(٤)، وَنَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ.

وجوب الحج والجهاد إلى يوم القيامة

وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ فَرْضَانِ(١) مَاضِيَانِ مَعَ أُولِي الْأَمْرِ مِنَ(٢) الْمُسْلِمِينَ، بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ(٣)، لَا يُبْطِلُهُمَا شَيْءٌ [وَلَا يَنْقُضُهُمَا](٤).

الإيمان بالملائكة والبرزخ

وَنُؤْمِنُ بِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، وَأَنَّ(١) اللهَ [تَعَالَى](٢) قَدْ جَعَلَهُمْ(٣) عَلَيْنَا(٤) حَافِظِينَ.

وَنُؤْمِنُ بِمَلَكِ الْمَوْتِ، الْمُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ.

وَنُؤْمِنُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ(٥) لِمَنْ كَانَ لَهُ(٦) أَهْلًا، وَبِسُؤَالِ(٧) مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ لِلْمَيِّتِ(٨) فِي قَبْرِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ(٩) اللهِ ﷺ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ(١٠) رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ(١١).(١٢)

[وَالْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ(١٣)](١٤).

الإيمان بيوم القيامة وما فيه من المشاهد

وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَجَزَاءِ(١) الْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ(٢).

الإيمان بالجنة والنار

وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ [مَخْلُوقَتَانِ](١)، لَا تَفْنَيَانِ(٢) أَبَدًا(٣) وَلَا تَبِيدَانِ، وَأَنَّ(٤) اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ(٥) الْخَلْقِ(٦)، وَخَلَقَ لَهُمَا(٧) أَهْلًا، فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ [أَدْخَلَهُ](٨) الْجَنَّةَ(٩) فَضْلًا مِنْهُ، وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ [أَدْخَلَهُ](١٠) النَّارَ(١١) عَدْلًا مِنْهُ، وَكُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ(١٢) وَصَائِرٌ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ.

أفعال العباد خلق الله وكسب من العباد

وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ(١) يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ(٢)، [فَهِيَ](٣) مَعَ الْفِعْلِ.

وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ(٤) الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ(٥) وَالتَّمَكُّنِ وَسَلَامَةِ(٦) الْآلَاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، [وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ](٧)، وَهُوَ كَمَا قَالَ الله(٨) [تَعَالَى](٩): ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾(١٠).

وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ [هِيَ](١١) خَلْقُ(١٢) اللهِ [تَعَالَى](١٣)، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ.

التكليف بما يطاق

وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللهُ تَعَالَى(١) إِلَّا مَا يُطِيقُونَ، وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ(٢)، وَهُوَ(٣) تَفْسِيرُ قَوْلِهِ(٤): «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»(٥).

[نقول](٦): لَا حِيلَةَ لِأَحَدٍ(٧)، وَلَا حَرَكَةَ [لِأَحَدٍ، وَلَا تَحَوُّلَ لِأَحَدٍ](٨) عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ(٩) إِلَّا بِمَعُونَةِ(١٠) اللهِ(١١)، وَلَا قُوَّةَ لِأَحَدٍ(١٢)، عَلَى إِقَامَةِ طَاعَةِ اللهِ(١٣) وَالثَّبَاتِ عَلَيْهَا(١٤) إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللهِ(١٥).

وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِمَشِيئَةِ(١٦) اللهِ تَعَالَى(١٧)، وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ(١٨)، فَغَلَبَتْ(١٩) مَشِيئَتُهُ الْمَشِيئَاتِ [كُلَّهَا](٢٠)، وَغَلَبَ قَضَاؤُهُ الْحِيَلَ [كُلَّهَا]، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أَبَدًا، تَقَدَّسَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَحَيْنٍ(٢١)، وَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَشَيْنٍ(٢٢)، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾(٢٣)(٢٤).

وَفِي دُعَاءِ الْأَحْيَاءِ(٢٥)، وَصَدَقَاتِهِمْ(٢٦) مَنْفَعَةٌ(٢٧) لِلْأَمْوَاتِ، وَاللهُ [تَعَالَى](٢٨) يَسْتَجِيبُ الدَّعَوَاتِ وَيَقْضِي الْحَاجَاتِ.

الله هو الغني ونحن الفقراء إليه

وَيَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ وَلَا يَمْلِكُهُ شَيْءٌ، وَلَا غِنَى(١) عَنِ اللهِ(٢) [تَعَالَى](٣) طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنِ اللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ(٤) فَقَدْ كَفَرَ، [وَكَانَ(٥) مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ](٦)(٧).

وَاللهُ(٨)(٩) يَغْضَبُ وَيَرْضَى، لَا كَأَحَدٍ مِنَ الْوَرَى.

حب أصحاب النبي ﷺ

وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رَسُولِ(١) اللهِ ﷺ، وَلَا نُفْرِطُ فِي حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُمْ، وَلَا بِغَيْرِ(٢) الْحَقِّ(٣) نَذْكُرُهُمْ(٤)، وَلَا نَذْكُرُهُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَ[نَرَى](٥) حُبَّهُمْ دِينًا وَإِيمَانًا وَإِحْسَانًا، وَبُغْضَهُمْ كُفْرًا(٦) وَنِفَاقًا وَطُغْيَانًا.

وَنُثْبِتُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ(٧) ﷺ [أَوَّلًا](٨) لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ [﵀](٩)، تَفْضِيلًا لَهُ(١٠) وَتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، ثُمَّ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [﵀](١١)، ثُمَّ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ(١٢) [﵀](١٣)، ثُمَّ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(١٤)، وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ(١٥).

وَأَنَّ(١٦) الْعَشَرَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبَشَّرَهُمْ(١٧) بِالْجَنَّةِ(١٨) نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، عَلَى مَا(١٩) شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ(٢٠) اللهِ ﷺ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ(٢١)، وَهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَسَعِيدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ(٢٢) الْجَرَّاحِ -وَهُوَ أَمِينُ(٢٣) هَذِهِ الْأُمَّةِ- رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ(٢٤) أَجْمَعِينَ.

وَمَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ(٢٥) اللهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ [مِنْ كُلِّ دَنَسٍ](٢٦)، وَذُرِّيَّاتِهِ الْمُقَدَّسِينَ [مِنْ كُلِّ رِجْسٍ](٢٧)؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ.

وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ الصَّالِحِينَ(٢٨)، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ(٢٩) أَهْلِ الْخَيْرِ(٣٠) وَالْأَثَرِ، وَأَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ، لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِالْجَمِيلِ، وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ(٣١) فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ.

الأنبياء أفضل من الأولياء

وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ(١)، وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ.

وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ(٢) عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ.

الإيمان بأشراط الساعة

وَنُؤْمِنُ(١) بِخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(٢) [عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ](٣) مِنَ السَّمَاءِ، وَنُؤْمِنُ(٤) بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ دَابَّةِ الْأَرْضِ [مِنْ مَوْضِعِهَا](٥).

لا يجوز تصديق الكهنة والعرافين

وَلاَ نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلاَ عَرَّافًا، وَلاَ مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا بِخِلافِ(١) الكِتَابِ والسُّنَّةِ وإِجْمَاعِ الأُمَّةِ.

الفرق بين الجماعة والفرقة

وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا، والفُرْقَةَ زَيْغًا وَعَذَابًا.

إن الدين عند الله الإسلام

وَدِينُ اللهِ [تَعَالَى](١) في السَّمَاءِ وَالأَرْضِ(٢) وَاحِدٌ، وهُو دِينُ الإِسْلاَمِ، [كَمَا](٣) قَالَ اللهُ(٤) تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾(٥)، [وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾(٦)]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾(٧).(٨)(٩)(١٠)

وَهُوَ(١١) بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ،(١٢) وَبَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، [وَبَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ](١٣)، [وَبَيْنَ الْأَمْنِ وَالْإِيَاسِ(١٤)](١٥).

الخاتمة

فَهَذَا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَحْنُ بُرَآءُ(١) إِلَى اللهِ [تَعَالَى](٢) مِنْ كُلِّ مَنْ(٣) خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ، وَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ(٤)، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ(٥)، وَالآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ(٦)، مِثْلَ الْمُشَبِّهَةِ(٧)، [وَالْمُعْتَزِلَةِ](٨)، وَالْجَهْمِيَّةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْجَبْرِيَّةِ(٩)، وَغَيْرِهِمُ الَّذِينَ خَالَفُوا(١٠) السُّنَّةَ(١١) وَالْجَمَاعَةَ، وَحَالَفُوا(١٢) الضَّلَالَةَ، وَنَحْنُ بُرَآءُ مِنْهُمْ(١٣)، وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلَّالٌ وَأَرْدِيَاءُ، [وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ](١٤)، [وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ](١٥)، [وَالْحَمْدُ لِلهِ وَحْدَهُ(١٦)، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا(١٧)، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ(١٨)](١٩).

الفهرس