نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر
ابن حجر العسقلاني

مقدمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وَيَسِّرْ يَا كَرِيمُ(١)

قالَ الشيخُ الإمامُ العالِمُ العلَّامةُ الرُّحْلَةُ، فَريدُ عَصرِهِ، ووَحِيدُ دَهرِهِ، وشيخُ مَشايخِ (...) ومِصرِهِ، بحرُ الفوائدِ، ومَعْدِنُ الفَرائدِ، عُمدةُ الحُفَّاظِ والمحدّثينَ، شهابُ المِلَّةِ والدِّينِ، أبو الفَضلِ أحمدُ بنُ عَلِيِّ بنِ محمدِ بنِ محمدٍ العَسقَلانيُّ، الشهيرُ بـ«ابنِ حَجَرٍ» رضيَ الله عنهُ وأبقاهُ في خيرٍ وعافيةٍ ونَفَعَ بِعُلومِهِ، آمين(٢):

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَدِيراً، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى النَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ التَّصَانِيفَ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الحَدِيثِ قَدْ كَثُرَتْ وَبُسِطَتْ وَاخْتُصِرَتْ، فَسَأَلَنِي بَعْضُ الإِخْوَانِ أَنْ أُلَخِّصَ لَهُمُ المُهِمَّ مِنْ ذَلِكَ؛ فَأَجَبْتُهُ إِلَى سُؤَالِهِ رَجَاءَ الِانْدِرَاجِ فِي تِلْكَ المَسَالِكِ، فَأَقُولُ:

الخبر

الخَبَرُ إِمَّا: أَنْ يَكُونَ لَهُ طُرُقٌ بِلا عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَعَ حَصْرٍ بِمَا فَوْقَ الاثْنَيْنِ، أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِوَاحِدٍ.

فَالأَوَّلُ: المُتَوَاتِرُ المُفِيدُ لِلْعِلْمِ اليَقِينِيِّ بِشُرُوطِهِ. وَالثَّانِي: المَشْهُورُ، وَهُوَ المُسْتَفِيضُ عَلَى رَأْيٍ. وَالثَّالِثُ: العَزِيزُ، وَلَيْسَ شَرْطاً لِلصَّحِيحِ خِلافاً لِمَنْ زَعَمَهُ. وَالرَّابِعُ: الغَرِيبُ.

وَكُلُّهَا ـ سِوَى الأَوَّلِ ـ آحَادٌ، وَفِيهَا المَقْبُولُ وَالمَرْدُودُ؛ لِتَوَقُّفِ الاسْتِدْلالِ بِهَا عَلَى البَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ رُوَاتِهَا دُونَ الأَوَّلِ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يُفِيدُ العِلْمَ النَّظَرِيَّ بِالقَرَائِنِ عَلَى المُخْتَارِ.

الغرابة

ثُمَّ الغَرَابَةُ إِمَّا: أَنْ تَكُونَ فِي أَصْلِ السَّنَدِ، أَوْ لَا.

فَالأَوَّلُ: الفَرْدُ المُطْلَقُ. وَالثَّانِي: الفَرْدُ النِّسْبِيُّ، وَيَقِلُّ إِطْلاقُ الفَرْدِيَّةِ عَلَيْهِ.

الصحيح

وَخَبَرُ الآحَادِ بِنَقْلِ عَدْلٍ تَامِّ الضَّبْطِ، مُتَّصِلِ(١) السَّنَدِ، غَيْرَ مُعَلَّلٍ وَلَا شَاذٍّ؛ هُوَ الصَّحِيحُ لِذَاتِهِ.

وَتَتَفَاوَتُ رُتَبُهُ بِتَفَاوُتِ هَذِهِ الأَوْصَافِ، وَمِنْ ثَمَّ قُدِّمَ صَحِيحُ البُخَارِيِّ، ثُمَّ مُسْلِمٍ، ثُمَّ شُرُوطُهُمَا(٢).

الحسن

فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ؛ فَالحَسَنُ لِذَاتِهِ، وَبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ.

فَإِنْ جُمِعَا فَلِلتَّرَدُّدِ فِي النَّاقِلِ حَيْثُ التَّفَرُّدُ، وَإِلَّا فَبِاعْتِبَارِ إِسْنَادَيْنِ.

وَزِيَادَةُ رَاوِيهِمَا مَقْبُولَةٌ، مَا لَمْ تَقَعْ مُنَافِيَةً لِمَنْ هُوَ أَوْثَقُ. فَإِنْ خُولِفَ بِأَرْجَحَ، فَالرَّاجِحُ المَحْفُوظُ، وَمُقَابِلُهُ الشَّاذُّ، وَمَعَ الضَّعْفِ الرَّاجِحُ المَعْرُوفُ، وَمُقَابِلُهُ المُنْكَرُ.

الفرد النسبي

وَالفَرْدُ النِّسْبِيُّ: إِنْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ المُتَابِعُ(١). وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُشْبِهُهُ فَهُوَ الشَّاهِدُ. وَتَتَبُّعُ الطُّرُقِ لِذَلِكَ هُوَ الاعْتِبَارُ.

وجوه الجمع بين ما ظاهره التعارض

ثُمَّ المَقْبُولُ: إِنْ سَلِمَ مِنَ المُعَارَضَةِ فَهُوَ المُحْكَمُ، وَإِنْ عُورِضَ بِمِثْلِهِ فَإِنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ فَهُوَ مُخْتَلِفُ الحَدِيثِ، أَوْ ثَبَتَ المُتَأَخِّرُ فَهُوَ النَّاسِخُ وَالآخَرُ المَنْسُوخُ، وَإِلَّا فَالتَّرْجِيحُ، ثُمَّ التَّوَقُّفُ.

المردود

ثُمَّ المَرْدُودُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ: لِسَقْطٍ(١)، أَوْ طَعْنٍ.

السقط من الإسناد

فَالسَّقْطُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ: مِنْ مَبَادِئِ السَّنَدِ مِنْ مُصَنِّفٍ، أَوْ مِنْ آخِرِهِ بَعْدَ التَّابِعِيِّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

فَالأَوَّلُ: المُعَلَّقُ. وَالثَّانِي: المُرْسَلُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِداً مَعَ التَّوَالِي فَهُوَ المُعْضَلُ وَإِلَّا فَالمُنْقَطِعُ.

ثُمَّ قَدْ يَكُونُ: وَاضِحاً، أَوْ خَفِيّاً.

فَالأَوَّلُ: يُدْرَكُ بِعَدَمِ التَّلاقِي، وَمِنْ ثَمَّ احْتِيجَ إِلَى التَّارِيخِ. وَالثَّانِي: المُدَلَّسُ(١)، وَيَرِدُ بِصِيغَةٍ تَحْتَمِلُ اللُّقَيَّ؛ كَـ«عَنْ، وَقَالَ»، وَكَذَا المُرْسَلُ الخَفِيُّ مِنْ مُعَاصِرٍ لَمْ يَلْقَ(٢).

الطعن في الرواة

ثُمَّ الطَّعْنُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ: لِكَذِبِ الرَّاوِي، أَوْ تُهَمَتِهِ(١) بِذَلِكَ، أَوْ فُحْشِ غَلَطِهِ، أَوْ غَفْلَتِهِ، أَوْ فِسْقِهِ، أَوْ وَهَمِهِ(٢)، أَوْ مُخَالَفَتِهِ، أَوْ جَهَالَتِهِ، أَوْ بِدْعَتِهِ، أَوْ سُوءِ حِفْظِهِ.

فَالأَوَّلُ: المَوْضُوعُ. وَالثَّانِي: المَتْرُوكُ. وَالثَّالِثُ: المُنْكَرُ عَلَى رَأْيٍ. وَكَذَا الرَّابِعُ وَالخَامِسُ.

الوهم

ثُمَّ الوَهَمُ إِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ بِالقَرَائِنِ وَجَمْعِ الطُّرُقِ: فَالمُعَلَّلُ.

المخالفة

ثُمَّ المُخَالَفَةُ إِنْ كَانَتْ بِتَغْيِيرِ السِّيَاقِ: فَمُدْرَجُ الإِسْنَادِ. أَوْ بِدَمْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ: فَمُدْرَجُ المَتْنِ. أَوْ بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ: فَالمَقْلُوبُ. أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ: فَالمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ. أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالمُضْطَرِبُ، وَقَدْ يَقَعُ الإِبْدَالُ عَمْداً امْتِحَاناً. أَوْ بِتَغْيِيرِ حُرُوفٍ مَعَ بَقَاءِ السِّيَاقِ: فَالمُصَحَّفُ وَالمُحَرَّفُ.

وَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ المَتْنِ بِالنَّقْصِ وَالمُرَادِفِ إِلَّا لِعَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ المَعَانِيَ، فَإِنْ خَفِيَ المَعْنَى احْتِيجَ إِلَى شَرْحِ الغَرِيبِ وَبَيَانِ المُشْكِلِ.

الجهالة، وسببها

ثُمَّ الجَهَالَةُ، وَسَبَبُهَا: أَنَّ الرَّاوِيَ: قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتَهَرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ «المُوَضِّحَ»(١)، وَقَدْ يَكُونُ مُقِلّاً فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ، وَفِيهِ «الوُحْدَانَ»، أَوْ لَا يُسَمَّى اخْتِصَاراً وَفِيهِ «المُبْهَمَاتُ». وَلَا يُقْبَلُ المُبْهَمُ وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الأَصَحِّ. فَإِنْ سُمِّيَ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ عَنْهُ: فَمَجْهُولُ العَيْنِ. أَوِ اثْنَانِ فَصَاعِداً وَلَمْ يُوَثَّقْ: فَمَجْهُولُ الحَالِ، وَهُوَ المَسْتُورُ.

البدعة

ثُمَّ البِدْعَةُ إِمَّا: بِمُكَفِّرٍ، أَوْ بِمُفَسِّقٍ.

فَالأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الجُمْهُورُ. وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً فِي الأَصَحِّ، إِلَّا إِنْ رَوَى مَا يُقَوِّي بِدْعَتَهُ فَيُرَدُّ عَلَى المُخْتَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ الجُوزَجَانِيُّ(١) شَيْخُ النَّسَائِيِّ.

سوء الحفظ

ثُمَّ سُوءُ الحِفْظِ إِنْ كَانَ: لَازِماً: فَالشَّاذُّ ـ عَلَى رَأْيٍ ـ، أَوْ طَارِئاً: فَالمُخْتَلِطُ.

وَمَتَى تُوبِعَ سَيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، وَكَذَا المَسْتُورُ(١)، وَالمُرْسَلُ(٢)، وَالمُدَلَّسُ(٣) صَارَ حَدِيثُهُمْ حَسَناً لَا لِذَاتِهِ؛ بَلْ بِالمَجْمُوعِ.

المرفوع، الموقوف، المقطوع · المسند

ثُمَّ الإِسْنَادُ إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ: إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَصْرِيحاً أَوْ حُكْماً؛ مِنْ قَوْلِهِ، أَوْ فِعْلِهِ، أَوْ تَقْرِيرِهِ، أَوْ إِلَى الصَّحَابِيِّ كَذَلِكَ، وَهُوَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُؤْمِناً بِهِ وَمَاتَ عَلَى الإِسْلامِ، وَلَوْ تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ فِي الأَصَحِّ، أَوْ إِلَى التَّابِعِيِّ، وَهُوَ مَنْ لَقِيَ الصَّحَابِيَّ كَذَلِكَ.

فَالأَوَّلُ: المَرْفُوعُ. وَالثَّانِي: المَوْقُوفُ. وَالثَّالِثُ: المَقْطُوعُ، وَمَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ فِيهِ مِثْلُهُ. وَيُقَالُ لِلأَخِيرَيْنِ: الأَثَرُ. وَالمُسْنَدُ مَرْفُوعُ صَحَابِيٍّ بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الاتِّصَالُ. فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُ فَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ: إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ إِلَى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ كَـ: شُعْبَةَ.

العلو

فَالأَوَّلُ: العُلُوُّ المُطْلَقُ. وَالثَّانِي: العُلُوُّ النِّسْبِيُّ. وَفِيهِ المُوَافَقَةُ: وَهِيَ الوُصُولُ إِلَى شَيْخِ أَحَدِ المُصَنِّفِينَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ. وَالبَدَلُ وَهُوَ الوُصُولُ إِلَى شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَلِكَ. وَالمُسَاوَاةُ: وَهِيَ اسْتِوَاءُ عَدَدِ الإِسْنَادِ مِنَ الرَّاوِي إِلَى آخِرِهِ مَعَ إِسْنَادِ أَحَدِ المُصَنِّفِينَ. وَالمُصَافَحَةُ: وَهِيَ الاسْتِوَاءُ مَعَ تِلْمِيذِ ذَلِكَ المُصَنِّفِ.

النزول · السابق واللاحق · المهمل

وَيُقَابِلُ العُلُوَّ بِأَقْسَامِهِ: النُّزُولُ. فَإِنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ فِي السِّنِّ أَوْ فِي اللُّقِيِّ فَهُوَ: الأَقْرَانُ. وَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الآخَرِ: فَالمُدَبَّجُ. وَإِنْ رَوَى عَمَّنْ دُونَهُ: فَالأَكَابِرُ عَنِ الأَصَاغِرِ، وَمِنْهُ الآبَاءُ عَنِ الأَبْنَاءِ، وَفِي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ، وَمِنْهُ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. وَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ وَتَقَدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ: السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ. وَإِنْ رَوَى عَنِ اثْنَيْنِ مُتَّفِقَيِ الاسْمِ وَلَمْ يَتَمَيَّزَا فَبِاخْتِصَاصِهِ بِأَحَدِهِمَا يَتَبَيَّنُ المُهْمَلُ.

من حدث ونسي · المسلسل

وَإِنْ جَحَدَ الشيخُ مَرْوِيَّهُ جَزْماً رُدَّ، أَوِ احْتِمَالاً قُبِلَ فِي الأَصَحِّ، وَفِيهِ: مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ. وَإِنِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ فِي صِيَغِ الأَدَاءِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الحَالَاتِ، فَهُوَ: المُسَلْسَلُ.

صيغ الأداء

وَصِيَغُ الأَدَاءِ: سَمِعْتُ وَحَدَّثَنِي، ثُمَّ أَخْبَرَنِي وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، ثُمَّ أَنْبَأَنِي، ثُمَّ نَاوَلَنِي، ثُمَّ شَافَهَنِي، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيَّ، ثُمَّ عَنْ وَنَحْوُهَا.

فَالأَوَّلَانِ لِمَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، فَإِنْ جَمَعَ فَمَعَ غَيْرِهِ، وَأَوَّلُهَا: أَصْرَحُهَا وَأَرْفَعُهَا فِي الإِمْلَاءِ. وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ(١): لِمَنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ. فَإِنْ جَمَعَ: فَهُوَ كَالخَامِسِ.

وَالإِنْبَاءُ بِمَعْنَى الإِخْبَارِ(٢) إِلَّا فِي عُرْفِ المُتَأَخِّرِينَ فَهُوَ لِلإِجَازَةِ كَ«عَنْ».

وَعَنْعَنَةُ المُعَاصِرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ إِلَّا مِنَ المُدَلِّسِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ لِقَائِهِمَا وَلَوْ مَرَّةً، وَهُوَ المُخْتَارُ. وَأَطْلَقُوا المُشَافَهَةَ فِي الإِجَازَةِ المُتَلَفَّظِ بِهَا، وَالمُكَاتَبَةَ فِي الإِجَازَةِ المَكْتُوبِ بِهَا. وَاشْتَرَطُوا فِي صِحَّةِ المُنَاوَلَةِ اقْتِرَانَهَا بِالإِذْنِ بِالرِّوَايَةِ، وَهِيَ أَرْفَعُ أَنْوَاعِ الإِجَازَةِ. وَكَذَا اشْتَرَطُوا الإِذْنَ فِي الوِجَادَةِ، وَالوَصِيَّةِ بِالكِتَابِ، وَالإِعْلَامِ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ، كَالإِجَازَةِ العَامَّةِ، وَلِلْمَجْهُولِ وَالمَعْدُومِ(٣) عَلَى الأَصَحِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.

أسماء الرواة

ثُمَّ الرُّوَاةُ: إِنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ فَصَاعِداً وَاخْتَلَفَتْ أَشْخَاصُهُمْ فَهُوَ المُتَّفِقُ وَالمُفْتَرِقُ. وَإِنِ اتَّفَقَتِ الأَسْمَاءُ خَطّاً وَاخْتَلَفَتْ نُطْقاً فَهُوَ المُؤْتَلِفُ وَالمُخْتَلِفُ. وَإِنِ اتَّفَقَتِ الأَسْمَاءُ وَاخْتَلَفَتِ الآبَاءُ، أَوْ بِالعَكْسِ فَهُوَ المُتَشَابِهُ، وَكَذَا إِنْ وَقَعَ ذَلِكَ الاتِّفَاقُ فِي اسْمٍ وَاسْمِ أَبٍ وَالاخْتِلَافُ فِي النِّسْبَةِ، وَيُرَكَّبُ مِنْهُ وَمِمَّا قَبْلَهُ أَنْوَاعٌ؛ مِنْهَا: أَنْ يَحْصُلَ الاتِّفَاقُ أَوِ الاشْتِبَاهُ إِلَّا فِي حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ، أَوْ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.

طبقات الرواة، الجرح والتعديل

وَمِنَ المُهِمِّ:

مَعْرِفَةُ طَبَقَاتِ الرُّوَاةِ، وَمَوَالِيدِهِمْ، وَوَفَيَّاتِهِمْ، وَبُلْدَانِهِمْ، وَأَحْوَالِهِمْ: تَعْدِيلاً وَتَجْرِيحاً وَجَهَالَةً.

وَمَرَاتِبِ(١) الجَرْحِ: وَأَسْوَأُهَا: الوَصْفُ بِأَفْعَلَ كَ: أَكْذَبُ النَّاسِ، ثُمَّ دَجَّالٌ، أَوْ وَضَّاعٌ، أَوْ كَذَّابٌ. وَأَسْهَلُهَا: لَيِّنٌ، أَوْ سَيِّئُ الحِفْظِ، أَوْ فِيهِ أَدْنَى مَقَالٍ.

وَمَرَاتِبِ التَّعْدِيلِ: وَأَرْفَعُهَا: الوَصْفُ بِأَفْعَلَ كَ: أَوْثَقِ النَّاسِ، ثُمَّ مَا تَأَكَّدَ بِصِفَةٍ أَوْ صِفَتَيْنِ كَ: ثِقَةٍ ثِقَةٍ، أَوْ ثِقَةٍ حَافِظٍ. وَأَدْنَاهَا: مَا أَشْعَرَ بِالقُرْبِ مِنْ أَسْهَلِ التَّجْرِيحِ كَشَيْخٍ. وَتُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِهَا، وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى الأَصَحِّ. وَالجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ إِنْ صَدَرَ مُبَيَّناً مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِهِ، فَإِنْ خَلَا عَنْ تَعْدِيلٍ قُبِلَ مُجْمَلاً عَلَى المُخْتَارِ.

فصل فيما يجب على طالب الحديث معرفته

وَمَعْرِفَةُ كُنَى المُسَمَّيْنَ، وَأَسْمَاءِ المُكَنَّيْنَ، وَمَنِ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، وَمَنِ اخْتُلِفَ فِي كُنْيَتِهِ(١)، وَمَنْ كَثُرَتْ كُنَاهُ أَوْ نُعُوتُهُ، وَمَنْ وَافَقَتْ كُنْيَتُهُ اسْمَ أَبِيهِ أَوِ العَكْسُ، أَوْ كُنْيَتُهُ كُنْيَةَ زَوْجَتِهِ، وَمَنْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ غَيْرِ مَا يَسْبِقُ لِلْفَهْمِ، وَمَنِ اتَّفَقَ اسْمُهُ وَاسْمُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، أَوِ اسْمُ شَيْخِهِ وَشَيْخِ شَيْخِهِ فَصَاعِداً، وَمَنِ اتَّفَقَ اسْمُ شَيْخِهِ وَالرَّاوِي عَنْهُ.

وَمَعْرِفَةِ الأَسْمَاءِ المُجَرَّدَةِ وَالمُفْرَدَةِ، وَكَذا الكُنَى، وَالأَلْقَابِ، وَالأَنْسَابِ، وَتَقَعُ إِلَى القَبَائِلِ وَالأَوْطَانِ: بِلَاداً، وَضِيَاعاً، وَسِكَكاً، وَمُجَاوَرَةً، وَإِلَى الصَّنَائِعِ وَالحِرَفِ، وَيَقَعُ فِيهَا(٢) الاشْتِبَاهُ وَالاتِّفَاقُ كَالأَسْمَاءِ، وَقَدْ تَقَعُ أَلْقَاباً، وَمَعْرِفَةُ أَسْبَابِ ذَلِكَ.

وَمَعْرِفَةُ المَوَالِي مِنْ أَعْلَى وَمِنْ أَسْفَلَ بِالرِّقِّ، أَوْ بِالحِلْفِ، وَمَعْرِفَةُ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ، وَمَعْرِفَةُ آدَابِ الشَّيْخِ وَالطَّالِبِ، وَوَقْتِ سِنِّ التَّحَمُّلِ وَالأَدَاءِ، وَصِفَةِ الضَّبْطِ بِالحِفْظِ وَالكِتَابِ، وَصِفَةِ كِتَابَةِ الحَدِيثِ وَعَرْضِهِ، وَسَمَاعِهِ، [وَإِسْمَاعِهِ](٣)، وَالرِّحْلَةِ فِيهِ، وَتَصْنِيفِهِ: عَلَى المَسَانِيدِ، أَوِ الأَبْوَابِ، أَوِ الشُّيُوخِ، أَوِ العِلَلِ، أَوِ الأَطْرَافِ. وَمَعْرِفَةُ سَبَبِ الحَدِيثِ وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ بَعْضُ شُيُوخِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى ابْنِ الفَرَّاءِ، وَصَنَّفُوا فِي غَالِبِ هَذِهِ الأَنْوَاعِ، وَهِيَ(٤) نَقْلٌ مَحْضٌ ظَاهِرَةُ التَّعْرِيفِ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ التَّمْثِيلِ، وَحَصْرُهَا مُتَعَسِّرٌ، فَلْيُرَاجَعْ(٥) لَهَا مَبْسُوطَاتُهَا.

خاتمة

وَاللهُ المُوَفِّقُ وَالهَادِي، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.

آخر الكتاب والله أعلم بالصواب

الفهرس